اشطِيح النسا عند قبائل تازة البرانس / التسول/ غياتة

 نشر في: 7 نوفمبر 2019 / 22:24

ذ. محمد  الهرنان، كاتب وباحث في التراث

تتقاسم مجموعة من قبائل حوض إيناون وخصوصا البرانس والتسول وغياتة والحياينة مجموعة من الطقوس والعادات والتقاليد المجتمعية الناتجة عن عوامل متعددة كوحدة الأصل والمجال أو الناتجة عن المصاهرة وغيرها من التأثيرات السوسيولسانية  والسوسيو اقتصادية تعود الى عشرات القرون خلت.

والفن الغنائي كموروث ثقافي هو أيضا جزء من هذا المشترك الذي تحتضنه الأسرة البرنوسية والتسولية والغياتية كقبائل أمازيغية عربت في مرحلة من التاريخ (فترة الموحدين والمرينين)، وأيضا بالنسبة لقبياة الحياينة كقبيلة ذات أصول عربية فهي تمتح من نفس الموروث فيما يخص فراجة الرجال وفراجة النساء.

فالحديث عن فن الفراجة النسوي كفن شعبي تعشقه المرأة البرنوسية والتسولية والغياتية  وتتغنى به في كل المناسبات العائلية، يعكس بالفعل قدرة هذه الأخيرة على الإبداع والترفيه عن ذاتها المعذبة المنشغلة بين لوازم البيت الداخلية ومتطلباته الخارجية.

فهاته المرأة المكافحة، ليست فقط ذلك الوجه المتعب بشقاوة الفلاحة والرعي والحطب، بل هي أيضا حنجرة مدوية، تطرب مسامع كل ساكنة القبيلة، وفي كل مناسبة سواء كانت عرس او خطوبة أو حفلة ختان أو مولودا جديدا.

  • مكونات اشطيح النسا التازي:

يختلف اشطيح النسوي عن الرجالي من حيث المكونات، فالثاني نجد فيه الزرعة “القصيدة الشعرية” و”الريح” البيت الأول في القصيدة، “الميزان” الإيقاع الموسيقي وأحيدوس، والحيدوس مرحلة بعد القصيدة أو ما يسمى بالجانب الاحتفالي، لكن فراجة النسا يتكون من القصيدة/ الزرعة التي تقتصر على بيتين على الأكثر، تعتمد المرأة الشاعرة على الحفظ لا على الارتجال كما يفعل الرجل ثم الرقص على نغمات الدفوف والزغاريد الجماعية دون أن تميز الواحدة عن الأخرى، أي ليس هناك تقاسم للأدوار.

  • مميزات فن الفراجة النسوي:

فن الفراجة النسوي سهل الممارسة وسهل التعلم، فإذا كان فن الفراجة الرجالي يتطلب دربة وحنكة وجهدا بدنيا أثناء الرقص حيث أن مصطلح الفرايجي أو “الهيات” لا يعطي ولا يمنح إلا للمحترف القادر على مجاراة بنود الرقصة، فالعكس تماما بالنسبة لشطيح “النسا” الذي يتطلب فقط الجرأة والشجاعة على مشاركة الأخريات، فالمرأة “الفرايجية ” لا يشترط فيها الملكة الشعرية أو خبرة في الضرب على البندير أحيانا يكتفي الجمهور النسائي فقط بوقوفها لتساهم ولو رمزيا في إحياء حفلة ما، لهذا نجد داخل قبيلة البرانس والتسول والحياينة وغياتة فرق رجالية بأسماء شيوخ و هم من يمثل الإقليم في المناسبات الوطنية والحفلات العائلية.

والعكس بالنسبة للنساء نجد في كل دوار برنوسيات  وغياتيات وتسوليات قادرات على إحياء الحفلات المحلية.

فللمرأة الفرايجية ذاكرة قوية تخزن تفاصيل الماضي، فالذاكرة بالنسبة لها هي الملكة التي تجمع وتحفظ المدركات الماضية وما يرتبط بها.

  • موضوعاتفن لفراجة النسوي :

يقتصر الشعر النسائي داخل هذه الرقصة على موضوعين اثنين أساسيين، هما الغزل والهجاء، لكن أحيانا ما تغني عن ذاتها وعن حالها خصوصا أيام الحصاد أو إزالة محصول القطاني “التقلاع”.

ففيما يخص الغزل أو القصيدة الغزلية تعتمد على العفوية في النظم، وكثيرا ما تستعمل أسماء مستعارة تخفي حقيقة الشخص الذي تستهدفه المرأة بخطابها النسوي، لأنه غالبا ما يكون الرجال في غرفة والنساء في غرفة ثانية.

ثم إن الغريب في الأمر، هو أن هذا الغزل خالي تماما من أي إحساس عاطفي غرامي، هو فقط غزل عفوي مناسباتي ينتهي زمانه بانتهاء زمن الحفلة.

لكن فيما يخص الهجو أو ما يسمى محليا “بمعيور” أو “انعير” كثيرا ما تعكس تلك القصيدة الصراعات الاجتماعية، أحيانا ما تكون مجانية تأخذ فيها المرأة حيزا كبيرا إما كمدافعة عن كرامة العائلة وأحيانا معتدية متسلطة

  • نماذج من الزجل النسوي:
  • الاحتفاء بالمكان:

الهودة على مكناسة ****الطبلة وجوج كراسة

الجدرمية ديرين السلسلة

 

الهودة على عين علق**** كلام العدا أيحرق

مزينتها ساعة ومن حر الفراق

 

الهودة على واد ابرون **** ونكوزو على واد مسون

لي جا يخطبك غير قولو لي شكون

  • زجل خاص بالفلاحة:

إو باس ما كين باس****خلاني وهود لفاس

قتلتني تمارة وقلة النعاس

 

أنا مرا زغبية ****نخبز ونجي دغيا

نقلع فالقطنية**** نسرح ونفلح مكا بو كزا

  • زجل وطني:

جمال عبد الناصر**** هو بالطياير حاصر

الخامس يا الحبيب شفناه فالقمر

 

يا احمد أخييي ****  أيا أيا

ومشيت للمسيرة أيا أيا

ورجعت  الصحراء  بلا كيرا

  • زجل الهجاء:

إو يا وجاه المجمر**** كنسكت ولا نهضر

دعباك يا طفلة يمشي للقبر

لا طياب كيما معروف **** ولا فخد كيما الخروف

هذي هي رزية أدحل والكلوف

والله فيك لخليتا # ايا ايا
والله غي لاقلتا# ايا ايا
مودمليل لهيه راها صاحيا
  • زجل الأعراس:

الصحة على مولاي السلطان**** كيفك كيف الشمعة

الشمعة د مولاي دريس ****ضوي على البواردية والعريس

  • غزل المرأة بالرجل:

كيفك كيف الجلاب **** فيها تناش لكبة

حبي وحبك مجبرنل دوا

 

كيفك كيف المشماش**** لي فالكوربة د حراش

الفكانسي يشري والمسكين باش

مشيت أيا ومشيت **** وشكون علي وصيت

بهم العدا     كي وليت **** طاحو دموعي وبكيت

وعند ربي وشكيت **** ويلا مشى الغزال لاش أنا بقيت

ما يلاحظ في زريع النسا انهن يستعملن حرف النداء أيا في أكثر من نص شعري وهو يعكس الحالة النفسية التي تعيشها المرأة القروية المكافحة.

خلاصة:

ارتبطت أغلب القصائد النسوية بقصص وأحداث فيها ما هو حقيقي ذو مرجعية تاريخية وما هو مبتكر ومتخيل، فأغانيهن تخاطب العقل والروح والذاكرة الفنية وهن يقمن بنقل المشهد الفني على حاله فهذا الرصيد يعتمد على ثقافة الأذن والاستماع والتذوق والتفكير في معاني الكلمات.

فالمرأة عبر الغناء تفك قيود المجتمع التي تطوق حلمها وطموحها وتفرض وجودها اللافت في تاريخ المنطقة أغانيهن تحاكي مشاكلهن وأحاسيسهن وهي بالنسبة لهن ثورة وهروب من القيود إلى الحرية والفن. فقط للترفيه عن الذات التي تتوق إلى الانعتاق من العقلية الذكورية ورقابة المجتمع القروي المحافظ الذي لا يومن بكفائاتها الفنية، لهذا لا نجد فرقة نسائية محترفة تجوب القرى والمدن فقط هناك أسماء استطاعت ان تخلد اسمها على مستوى اسمها الفن وعلى مستوى حدود الدوار فقط وغالبا ما تكون هاته الفنانة تتمتع بسلطة قوية داخل بيتها في علاقتها مع الزوج أ المحيط العائلي حتى أنها تعرف باسمها واسم أبيها لا باسم زوجها او  إن هي  تمردت على أعراف المنطقة. تتعرض في حياتها الأسرية إلى الطلاق أو التعنيف أو النبذ، لهذا ارتأيت في هذه المقالة المتواضعة ان لا اذكر بعض الأسماء من القبائل الثلاث التي  أبدعت مجموعة من المتون الشعرية. وختاما أتحف القارئ الكريم بمقطع شعري يسمى بالريح النسوي وهو كالتالي:

” هذ الرباعة زينة  أيا  أيا ****  والله بها مسخينا.

ومن خلال هذا البيت نستشف أن المرأة القروية  دائما تتألم وتتحسر ، تعيش الوحدة ، فهي تحتاج إلى من يدعمها ويأخذ بيدها ويشجعها على الفن ويمنحها حريتها الكاملة لأنها تقوم بواجباتها الكاملة.

اظهار المزيد في فن وثقافة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *